كثيراً ما تتحدث المؤسسات عن الموظفين وكأن إسهامهم يبدأ لحظة دخولهم إلى مكان العمل. نصفهم بالمتحفزين أو غير المتحفزين، والموهوبين أو العاديين، ومرتفعي الأداء أو المتراجعين. لكن أياً من هذه الأوصاف لا يفسر الإنسان القائم خلف الوظيفة.
يصل كل شخص إلى العمل حاملاً حياة كانت تمضي قبل أن يبدأ يومه الوظيفي. يحمل مسؤوليات لا يستطيع أي وصف وظيفي احتواءها، وخبرات لا يقيسها تقييم أداء، وتطلعات لا يكشفها هيكل تنظيمي بالكامل. والقيادة التي لا ترى سوى الوظيفة ستظل ترى أقل من الإنسان.
تواصل مؤسسات كثيرة الاستثمار في تجربة الموظف، وهو مسعى ذو قيمة. لكن الخبرة الإنسانية تبدأ قبل التوظيف بوقت طويل وتستمر بعد انتهاء يوم العمل. لا يمكن اختزالها في مؤشرات الارتباط أو برامج التقدير أو المزايا الوظيفية. إنها تسكن كل حوار وقرار وصمت، وكل لحظة يشعر فيها الإنسان بأنه مرئي أو مهمَل.
لنتأمل مؤسستين تواجهان التحدي نفسه؛ لديهما أشخاص أكفاء وموارد متشابهة واستراتيجيات متقاربة. تنظر إحداهما إلى الأفراد من خلال وظائفهم ومسؤولياتهم، بينما تدرك الأخرى أن كل وظيفة يؤديها إنسان تتأثر قدرته على الإسهام بالثقة والكرامة والانتماء والمعنى. نادراً ما يظهر هذا الفرق على لوحة قياس، لكنه مع الزمن يشكل الالتزام والتعاون والابتكار وطابع المؤسسة نفسها.
ستواصل القيادة بناء أنظمة أفضل وتقنيات أذكى وإجراءات أكثر كفاءة، وهذه التطورات مهمة. لكنها لن تحل محل مسؤولية فهم الحقيقة الإنسانية خلف كل منصب. المؤسسات التي تدوم لن تُذكر فقط بتميز عملياتها، بل بالإنسانية التي اختارت صونها وهي تسعى إلى التميز.
السؤال الأهم الذي ينبغي لكل فريق قيادي أن يحمله إلى غرفة الاجتماع ليس ما إذا كان الناس يقدمون أفضل أداء لديهم، بل ما إذا كانت المؤسسة قد صنعت مكاناً لا يضطر فيه الإنسان إلى ترك إنسانيته خلفه حتى يقدم أفضل ما لديه.
لن يتحدد مستقبل القيادة بمدى براعة المؤسسات في إدارة الموظفين، بل بمدى عمق فهمها للخبرة الإنسانية.
هل صنعت المؤسسة مكاناً لا يضطر فيه الناس إلى ترك إنسانيتهم خلفهم حتى يقدموا أفضل ما لديهم؟

