غالباً ما تحظى الموثوقية بالتقدير في بدايتها، ثم تتحول مع الوقت إلى أمر مفترض. فالإنسان الذي يتذكر ويتابع ويعالج ما يتجاوزه الآخرون ويمنع التعطل بصمت قد يختفي تدريجياً خلف ثبات إسهامه. وما كان يستحق التقدير يصبح مجرد توقع، ويغدو العمل المستمر أكثر وضوحاً من الإنسان الذي يحمله.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الهادئة للاعتماد المهني. فكلما نجح الإنسان في حماية العمل من التأخير والارتباك والإخفاق، أصبح من الأسهل على المؤسسة أن ترى الاستقرار الذي يصنعه من دون أن ترى الحكم والخبرة والانتباه والجهد الإنساني المتكرر الذي يقف خلفه.
تبدأ المؤسسة في فهم هذه الخبرة الخفية حين لا تنتظر الغياب كي تدرك قيمة الإنسان الموثوق. فقيمته لا تسكن في المهام التي ينجزها وحدها، بل أيضاً في حالات الاضطراب والضغط وعدم اليقين التي يمنع حضوره وقوعها في العمل اليومي.
ينبغي أن يصل التقدير إلى الإنسان وهو ما يزال يحمل العبء. فمكان العمل الإنساني لا ينتظر الغياب كي يفسر الإسهام، بل يرى الإنسان الكامن خلف الاستمرارية، ويوزع المسؤولية بعدالة، ولا يجعل الموثوقية سبباً للاعتماد غير المحدود من دون عناية.

