يوصف كل تحول عظيم عادةً بما يبنيه: مؤسسات جديدة، وصناعات جديدة، وبنية تحتية جديدة، وفرص جديدة. غير أن التاريخ يلمّح بهدوء إلى أن التحولات نادراً ما تدوم بسبب ما تشيده؛ بل تدوم بسبب الخبرة الإنسانية التي تصنعها في مسيرتها.
تُختبر كل رؤية في نهاية المطاف، لا بحجم طموحها، بل بجودة الخبرة الإنسانية التي تسندها. ومن السهل الاعتقاد بأن التحول يبدأ بالاستراتيجية، وأن إطاراً محكماً أو خارطة طريق واضحة أو إعلاناً ملهماً يكفي لتحريك الناس نحو مستقبل أفضل.
لكن الاستراتيجية لم تغيّر بمفردها منظمة أو مجتمعاً أو أمة. يبدأ التحول قبل ذلك بكثير وفي عمق أكبر؛ يبدأ لحظة اختيار الأفراد ترجمة الغاية المشتركة إلى سلوك يومي ومسؤولية ورعاية أمينة.
لهذا لا يمكن اعتبار الخبرة الإنسانية نتيجةً للتحول؛ فهي البيئة التي يزدهر فيها التحول أو يبدأ فيها بالتلاشي بصمت. كل حوار يشكل الثقة، وكل قرار قيادي يشكل الانتماء، وكل فعل من أفعال العدالة يشكل الاطمئنان، وكل اختيار يصون الكرامة الإنسانية يقوي الأساس الذي تعتمد عليه كل رؤية.
لم تتميز أعظم التحولات بإنجازاتها وحدها، بل بالقيم التي سعت بها إلى تلك الإنجازات. قد تُبنى الهياكل بسرعة، وتتقدم التقنية بوتيرة متسارعة، وتزداد الأنظمة تطوراً، لكن الثقة والمسؤولية والقدرات الإنسانية تنمو بإيقاع القيادة اليومية المتأني. والتقدم الذي يسبق الخبرة الإنسانية نادراً ما يحافظ على استدامته.
هذا هو السؤال الذي ينبغي لكل قائد أن يحمله بعد انتهاء اجتماع الاستراتيجية: هل نستثمر أعظم طاقتنا في إتقان الرؤية، أم في تنمية الخبرة الإنسانية اللازمة لحملها إلى الأمام؟ فكل تحول دائم يتقدم بوتيرة القدرات الإنسانية والمسؤولية المشتركة والثقة، وقبل أن تظهر الرؤية في النتائج يجب أن تظهر أولاً في الناس.
لهذا لا يمكن لأي رؤية عظيمة أن تتقدم أسرع من الخبرة الإنسانية التي تحملها.
هل نستثمر أعظم طاقتنا في إتقان الرؤية، أم في تنمية الخبرة الإنسانية اللازمة لحملها إلى الأمام؟
